الاثنين، 7 أكتوبر، 2013

أين الله ؟



للمرة الثالثة يسألنى أخى الصغير الذى يبلغ من العمر خمس سنوات فقط : أين الله ؟ كيف
  هو الله ؟
بعد أن أصبحت تلك الأجابة التقليدية ( الله نوّر فى السماء يرانا و لا نراة  )  تحتاج إلى برهان ,  وفى كل مرة تتملكنى ذات الدهشة و وقع الصدمة ! 
وفى كل مرة أرفض الهروب من الاجابة ليس لأنى لا أعرفها , لأنى كلامياً أعرفها بالفعل كما قالوا لنا جميعاً بالمدارس و فى الحكايا 
ولكن لأنى رغم عمرى الذى يضاعف عمرة ثلاث مرات مازلت فى طريق الوصول إليها  و  لم أستوعبها بعد  كإيمان مُتحقق بالفعل ,
ليس فقط لأنى جاهلة بدينى و جميع الأديان و كل ما أعرفة هو بضع معلومات حفظتها مُنذ الصغر فى المنزل و المدرسة ,


فـ هل أقول له :
( من أين الأين لا يقال له أين ) ؟ أم ( الله مُـتعالى خارج حدود الكون و الفضاء , ليس كمثلة شىء  ) ؟
ناهيك عن إنها إجابة غير مفهومة لطفل صغير مازال يجد صعوبة فى تعلم الحروف و الأرقام , فهو و إن لم يفهم سينهال عليّا حينها بالأسئلة اللامتناهية حتى يفهم , فهل أفعل كما فعل آبائنا معنا و أتجاهل السؤال ؟ أم أخبرة إنه مازال صغير ولن يفهم وحين يكبر سيعرف كما فعلوا معنا ؟



حينها تخيلت تكرار الموقف بعد سنوات فى العام 2020 مثلاً و ابنتى الصغيرة التى لم تأتى بعد تسألنى ذات السؤال ,
فـ هل سأكون مستغرقة حينها أيضاً فى الدهشة و الصدمة أم آنى سأكون قد بلغت ع الأقل جزء من الأجابة ؟  



فكيف أجيب عليهم و أنا التى ما زالت تلك الأسئلة رغم بساطتها الظاهرية تؤرقنى و كُلما حاولت البحث إما توقفت أو ضُللت ؟
كيف لهذا الصغير أن يُعرينى أمام نفسى و يكشف لىِّ بتلك البساطة عن جهلى و أنا التى قد بلغت العقد الثانى من عمرى ؟



رُبما تلك رسالة صَحوة  من الله و نقطة نّور , 
فإلى متى سأبقى غارقة فى اللاشىء أطوف حول جهلى أتمنى الوصول و لا أجتهد بكل ما عندى من إرادة ؟ رُبما لست صادقة النوايا بالفعل ! 



و من ثم أعترفت لذاتى بجهلى و لأخى  و لذالك أنا أقرأ لأتعلم ,
 و عقدت إتفاق صغير صادق معه ومع  ذاتى  بإنى سأجتهد للوصول و حينها سنتحاور .



..



أخى العزيز مرّ عام كامل على اتفقنا , هل تتذكر ؟



أعتذر إنى تأخرت رغم إنى لم أتأخر بالفعل فصدقنى عام واحد ليس كافى بالفعل و رُبما لن يكفى نصف العُمر , 
جئتك اليوم لنتحدث فيما كان مؤجل بيينا , لا لم أصل لأجابة كاملة و لكن يكفى هذا اليقين لبعض ما  توصلت ,
و لتعرف إننى مازلت لم أقرأ كتاب واحد بعد و لم يُبلغنى بما توصلت شخص , 
لا تتعجب و تظن إنى سأبدأ بثرثرة و كلام فارغ ثم أدعى إنها حقائق , فوالله ما عَانيت و تألمت فى حياتى بهذا القدر حتى أُدرك ما أدركت ,
فقد كان الألم ألم رحلة تطّهر الروح , تلك التى كانت مهجورة بداخلى حتى غطاها غبار المادة و مُعتقدات زائفة و أوهام عقل , 
ولأنى سئمت الظاهر فى القول عن الله و دين الله من هذا المجتمع و الذين يدعون التدين قد فضلت أن أتوقف عن الدوران مثلهم فى تلك الدائرة المُغلقة 
وظاهر حرفية النص  , فقررت أن أبدأ من الداخل فى عُمق البئر الكامن بباطنى أن أبحث عن الذات من خلال الظِلّ , بكل المعطيات التى وهبنا إياها الله كـ التأمل و التفَكُر و الإرادة  ثم  الروح .



و لنبدأ بنا نحن و بك ,
مُنذ أربع سنوات تشكلت أنتَ فى رحم والدتك عن طريق التفاعل ما بين بعض العناصر بداخلها , فهل تدرى إنك كان يمكن ألا تتكتمل كـ جنين بداخلها و تكون كائن و حى لولا أن  منحك الله الروح , لولاها كان يمكن أن تكون لا شىء , و لم توجد و لكن بـ إرادة  الله تكونت و أصبحت إنسان حى ,
هل تدرى إنه كان يربطك معها ( حبل ) الحبل السورى ,  و حين ولدت أنقطع هذا الحبل لتكون قائم بذاتك فى الحياة و رغم إنقطاعة بينكما أنت الآن مرتبط بها تمامً أكثر من ذى قبل , كيف لهذا الرابط القوى حين ينقطع يحدث إرتباط أعظم ؟



هذا هو الله فى المسافة بينكما بين الانقطاع و الوصل .



هل تدرى أن هذا تتابع لـ النبى آدم أول الخلق الذى كان مع الله فى الجنة دائمً ثم حين نزل إلى الأرض أنفصل عنه و رغم ذالك ظل الاتصال بينهما قوى فكان الله معه أينما كان ,  و أن حواء زوجتة خُلقت من ضِلعة و حدث أن أنشقت عنه فصار الرابط بينهما أعظم من ذى قبل !



هذا الرابط بينهما هو الذى بينك و بين والدتك ( المَحبة و الروح ) هو الله .



حين تحصل على الحلوى حين ترغب فيها فتفترح  , تلك الفرحة هى الله .



حين تستمع للقرآن فتشعر بالأطمئنان , هذا الآمان هو الله . 



حين تُصاب بمرض ما فيشتد الألم ثم يخف , هذه رحمة هى الله .



حين يمتلك والدك المال فيشترى لك اللعبة التى كنت تريدها , هذا رزق الله .



حين تكبر فتحتار أن تختار ما بين هذا و ذاك فتهتدى فى النهاية لقرار , هذا الهُدى هو الله .



حين يمتلىء قلبك بالسواد و يصبح طريقك مُعتم ثم فجأة تجد النّور يتجلى بك و يُطهّر دواخلك , هذا النور هو الله .



حين تُدرك أن وطنك رغم ما به من بلاء إلا أن السلام يحمى الشوارع و المنازل لا حرب ولا استعمار ككل البلاد , هذا السلام هو الله .



حين يتكشف لكّ الجمال فى فى عين فتاة و إبتسامة طفل و فى اللوحات , هذا الجمال هو الله .



حين تبكى و أنتَ مُتعب و مُنهك فى الصلاة فيتبدل حالك للراحة و الخشوع التام , هذا هو حنان الله .



حين تستمتع للموسيقى فتشعر بالوحدة مع الكون و الإنسجام مع الذات , هذه الوحدة هى الله .



حين تطلع على بقاء المسجد الأقصى فى فلسطين آمن رغم الحروب و بطش قوات الاحتلال , تلك الحماية هى الله .



حين تزور بلاد الهند فيُغريك البهجة التى تبعثها الألوان و الفيلة فى كل مكان , تلك البهجة  هى الله .



حين يصفعك أحدهم غدر ثم يأتى من ينتقم لك , هذا الجبار الله .



حين تعصى ثم تقول يارب فيتوب عليك , هذا المُجيب هو الله .



حين يظلمك أحدهم يومً ما ثم يعود إليك حقك , هذا الحق هو الله .

يـا صغيرى ..



إن الله معنا دائمً و إن كنا لا نراة 



إن الله هُنا حيثُ روحك .. الله حيثُ تتنفس .. الله حيثُ ينبض قلبك 
الله هو الجمال فى باطنك المُنعكس بظاهرك بين ثنايا ملامحك 



الله فى الكل و الكل من الله


يُتبع 

..


نورهان محمود


أكتوبر 2013

هناك تعليقان (2):

  1. أتذكر هنا مسرحية للرائع توفيق الحكيم بعنوان المُخرج. كانت فكرتها الفلسفية هي محاول الإجابة عن سؤال: كيف تريد أن تقنعني بأن هناك إله لا أراه هو من يدير هذا الكون من حولي؟!
    وكانت الفكرة، أن تنظر لتلك المسرحية أو ذاك الفيلم، هل ترى فيه المُخرج؟ أم أنك ترى الممثلين وهم يقومون بالحركة والكلام ولا ترى المخرج رغم أنه هو من يحركهم ويوجههم؟
    وكان هذا المثال القياسي البسيط، إذا كان المخرج وهو من مخلوقات الله يدير الممثلين ويوجههم وتؤمن بوجوده وانت لا تراه، فكيف ترفض فكرة أن هناك إله يدير هذا الكون بحجة أنك لا تراه؟!
    ..
    ربنا خلق لنا العقل لنتفكر ولنفكر لنصل لإجابات عن أسئلة تبدو مستحيلة الإجابة.
    رائع جداً ما كتبتي نورهان. وهذا أقل وأقصى ما يمكنني قوله! :)
    تحياتي لك.

    ردحذف
  2. الله في الكل والكل من الله :) .. تدوينة أكثر من رائعة

    ردحذف