الجمعة، 27 سبتمبر، 2013

آبــاء و أبـنـاء




تجلس بغرفتها وحدها  تُقلب بين قنوات التلفاز يستوقفها مشهد بأحد المسلسلات لإبنة تُقبل رأس أمها
و تحتضنها مُداعبة إياها بكلمات حنان و إبنتها الآخرى تهتم بصحتها و تعطيها الدواء بينما الابن يشترى لها الطلبات
 من الخارج حتى يُخفف عنها مشقة حِملها ,

تتألم بداخلها , تبكى , و يحترق قلبها من شِدة البكاء , تتمنى لو أن بناتها يفعلون القليل مثل ذالك معها , لو إنهم يتحدثون إليها بنبرة صوت حانية و لا يصرخون بوجهها إذا كلفتهم بشىء , لو يرعونها حين تمرض , و يحتضونها حين تتألم , و تتسائل لماذا ليس أبنائى و بناتى مثلهم ؟

ألم أوفر لهم الطعام و الشراب و الملابس و الدواء و التعليم , و كل ما يحتاجونة من " ماديات " ؟

بينما تجلس فى الغرفة المجاورة ابنتها التى تبلغ الثلاثين من العمر تَكتُب مُذكرَتها و هى تبكى بحُرقة من وجع تلك الغَصة بقلبها , و التى تعرف أن أمها إذا مرت من أمامها الآن لن تُبالى ببكائها و إن رأتها لن تستفسر منها و تمر كأن شيئاً لم يكن !

تبكى ألم الوحدة بداخل هذا المنزل الكبير البارد حيثُ الصقيع بقلبها يخنقها , و قد سئمت هذا الجفاف العاطفى الذى كانت و مازلت تُعانى منه مُنذ طفولتها , و فى كل مرة تُفكر :
تُرى لما أنجبتها أمها ؟ هل كالباقية أنجبتها لتُشبع رغبتها فقط ؟
هل الحمل بها كان صدفة غير مُرحب بها ؟  أم كان رغماً عنها ؟

فهى لم تستشعر يومً منها الحنان و الإحتواء بالمَحبة الذى قرأته فى الكُتب و رأتة فى المسلسلات و سَمعت عنه من صديقتها !
هى تعرف أن كل ما لُزم من " ماديات " قد تم توفيرة لها و لكن الأهم من كل ذالك " العاطفة " لم تحصل على قدرٍ منه أبداً !

هل هذه طبيعة العلاقة الحقيقية بين الأبناء و الآباء ؟

حتى والدها لم يعد  لوجودة بالمنزل معنى , هو يعمل و يأتى لهم بالمال و يأكل ثم ينام لا أكثر !

هل هكذا تكون الأسرة ؟

اللعنه على تلك اللحظة  التى يلتقى فيها رجل بإمرأة فتقودهم إلى إنجاب أطفال فجأة لا يدركون عن طريقة تربيتهم شيئاً و لا يتكلفون العناء لإجادة ذالك ولا يعرفون ماذا يقدمون لهم سوى المزيد من المادة !

ثم يبدأون فى وضعهم بقوالب بمقاسات خاصة وفقاً لتصوارتهم الآحادية الصلبة , المُمتلئة بالعُنصرية و الأنا و الخضوع

فأول ما يبدأون تعليمة لنا هو :
 أن ديانتهم هى الحق و الباقية كَفرة لن يدخلوا الجنة , و أن أرضنا لنا و الباقية خَونة
وأن إنتمائهم الفِكرى هو الصواب و غيره خطأ , و أن الصديق هو الذى يكون من دينك و أرضك و إنتمائك و غير ذالك عدوك و أن الموت شر , و أنك حتماً ستدخل النار بكل ما تفعل من خطأ , و أن الطبيب ذو مكانة محترمة أما عامل النظافة فى مرتبة أدنى و أن الفقير مُتسخ فلا تقربةُ و أن الحق هو ما يروة هم حق و أن الشك كُفر و أن تنسى نفسك للتماهى بالناس و أن هناك كِذبة بيضاء ,

و أن الحلال حلال أحياناً وفق ما يروا و أن الحرام حرام أحياناً كيفما يشاؤا , و أن القانون لا يُحترم و أن المجتمع فاسد بالفطرة لا أمل , و أن الحُب عامل ثانوى و المَصلحة عامل أساسى , و أن الطموح خيال و أن الخيال شَطح مجنون و أن العاقل عَبث و أن الفن عيب , و أن القراءة غذاء العقل و لكن شراء الكتب خراب للجيب و أن العالم ناجح و لكن طلب العلم صعب و التكلفة فوق الطاقة , وأن العمل شرف و لكن لا تعمل كُن بالمنزل بجانبى فإنى أخاف عليك و إن عَملت فقبضت المال الكثير فلا تقل لإنى أخاف الحسد , و أن الموهبة هِبة من الله ولكن لا جدوى منها سوى تضييع الوقت و أن الإبداع مذهل و لكن أخاف عليك الحُفر و الشَطح , و أن الله الرازق ثم يشكون للجميع الفقر  و أنك إن رُزقت لا تخبرهم و أدعى الفقر أكثر حتى لا يطلبون منك فينقص , و أن الانسانية فطرة و لكن مع من هو مثلك او اقل و غيرك يدعون عليه نهار و ليل و أن التطوع واجب و لكن لا تذهب !

كل ذالك و لا يدركون إننا نُدرك و نراهم و نرصد ,

# عن واقع تربوى مُعقد

يُتبع

..

نورهان محمود

2013

هناك تعليقان (2):

  1. ربما التأثير السلبي للتباعد أو الإنفصال العاطفي في الأسرة الواحد بوجه خاص او في المجتمع بأكمله بوجه عام يشكل مكوناً أشد خطورة من التأثير السلبي الناتج عن الشحن الفكري بأفكار خاطئة، ما بين إفساد سلوكي ونفسي وذهني سواء أكان بالكلمات أو بالسلوك المتناقض.
    ربما البعض يستطيعون أن يعتقوا ويحرروا فكرهم وعقولهم التي سبيت في فترة متقدمة من حياتهم جراء أسلوب تربوي أو إنشائي مغلوط. ولكن هؤلاء قلة لا تكاد تذكر، أما الغالبية فتظل فريسة إلى أن يأتي عليها اليوم الذي تصبح فيه قناص.
    ..
    واقعي ومهم جداً الموضوع يا نورهان. وفي إنتظار التتمة.

    ردحذف
  2. رأيك سليم جداً يا أحمد و تحليلك رائع ..

    و عبقرية الجملة دية :

    " ربما البعض يستطيعون أن يعتقوا ويحرروا فكرهم وعقولهم التي سبيت في فترة متقدمة من حياتهم جراء أسلوب تربوي أو إنشائي مغلوط. ولكن هؤلاء قلة لا تكاد تذكر، أما الغالبية فتظل فريسة إلى أن يأتي عليها اليوم الذي تصبح فيه قناص "


    شكراً جداً ع قرائتك و متابعتك , دُمت بالقرب

    ردحذف