الأربعاء، 16 يناير، 2013

موسيقى الروح


فى الحافلة هى حيثُ تذهب للعمل 
ترتدى تنورة قصيرة بيضاء تكشف ساقيها بلون السحاب
ومن أعلى جاكت أزرق بلون السماء مُطرز بفراشات 
شعرها مرفوع ينسدل منه خصلات على كتفيها 
فى يديها كوب القهوة وبعض رقائق البسكويت

كان يقف هو هُناك بجانب السائق 
يُدخن سيجارتة وهو عاقد حاجبية على عينة 
شارد فى المرآة يتمعن فى تذوق التبغ حَد الاستمتاع
أطفأ سيجارتة وأشعل غيرها , يزفر الدخان بعنف
وكأن شيئاً أستفذ تفكيرة حينها !

جذبها كـ كل إلى حد غريب
شعرت بإنها رأته من قبل
ولكن لا تتمكن من رؤيتة بوضوح حتى تعرف  ,,

طويل القامة هو نحيل الجسد
برونزى البشرة ذو شفاة بُنية غليظة
كنستنائى الشعر ذو لؤلؤة عسلية بعينية
بارز عروق الوجه عابث الملامح
يدس يديه فى جوارب سوداء كلون الجاكيت 
ليخرج عُلبه سجائر جديدة 
حد أن رائحة الدخان المتصاعد من السيجار ملأ الحافلة 
وامتدت إلى آخر مقعد حيثُ تجلس هى 

تتبعه هى بكل دقة وتتعجب من حركة عينيه 
عيناة ثابتة على المرآة طوال الوقت مُنذ ساعتان 
فـ ظنت إنه ربما مغرور يحاول لفت الانتباة 
و رُبما يكون كفيف العين 

ثم حدثت نفسها إنه على كل حال لا يهم ,

فتحت حقيبة يديها و أخرجت روايتها المفضلة لتقرأ 
وضعت السماعات المتصلة بجهاز الموسيقى للتستمتع

وحين بدأت تقرأ عَبثت بعقلها بعض الافكار عنه
كـ هل لاحظ وجودها بالاساس ؟ 
وإن لاحظ هل من الممكن أن تجذبة كـ بقية النساء ؟
فأخذت تقرأ سطر ثم تنظر إليه 
و تارة نظرة على الكتاب و تارة على عليه 


شيئاً بداخلها يُحدثها أن تذهب إليه 
و الخجل و الحياء يمنعها ,,


وما أن وقفت الحافلة عند دار الاوبرا 
بدأ هو يتحرك إلى الخلف ليقترب من الباب

وحين أقترب من مقعدها نَفخ بقوة السيجار
حتى عانق وجهها و كلها الدخان ,,

فشعرت هى كأن بركان رغبة تفجر بدواخلها  
أرتعشت يديها و نادى عليه جسدها
فجلس بجانبها يُلبى النداء ويضع إجابات
فلمس بظافر يديه يديها 
ثم أخذ منها الكتاب لـ يحتضنه بقوة
ونهض من مكانة تارك بحضنها الكتاب
ثم قال : 
" أنظرى من هُنا للمرآة فى الامام , سترين أجمل إمرأة بديعة من أجمل خلق الله "
خيم السكون على المكان وهى مُصابة بحالة من شلل الوجدان
نظرت للمرآة فرأت إنعكاس صورتها هُناك 
حيثُ كان ينظر هو و عيناة ثابتان !

لمعت بالدموع لؤلؤة عينيها و هبطت قطرة ندى تلامس شفتيها
فلامس بنعومة فائقة هو تلك القطرات حتى عَلق أصابعة على شقتيها 
شعرت بالهذيان فى دفء تلك اللمسة الحانية حد الانصهار
وبعفوية الانثى قَبلت كَف يديه الصغير الدافء 

اعتدل فى وقفتة و تعمق فى تأمل هذيانها 
حتى دَمعت عينيه وسقطت دَمعه على روايتها 

فى هدوء سحب جسده إلى باب الحافلة 
وترك روحه على المقعد بجانبها

نزل من الحافلة و بعث لها إيماءة من النافذة 
فظلت هى مُعلقة بعينيها عليه تتمنى لو يمكنها أن تركض خلفه

فحدث أن تعطلت الحافلة ونزل جميع الركاب ولم يتبقى سوى هى
فى دهشة من روعة القدر و غرابة الحَدث 

نزلت إلى الشارع تُقلب بعينيها بين المارة 
تبحث عنه و عن قلبها الذى أخذه معه

تدور و تدور حول نفسها تبحث عنه
بين المارة فى الطرقات و المحلات 
حتى هدها الانتظار و التعب 

سمعت صوت موسيقى صادر عن دار الاوبرا
شعرت بشىء يتحرك بداخل قلبها 
شىء سحرى يأخذها إلى الداخل
حيثُ مصدر الصوت ,,

يالله صوت الموسيقى روحى إلى حد مُبالغ فيه
حَد الشعور بالطهارة وأن تستمع إليه 

ذهبت نحو المدخل تسأل العامل عن المصدر
فأخبرها أن تذهب آخر قاعة على شمال الممر
حاولت أن تعرف منه من الذى يعزف 
فأخبرها إنه مجرد رجل ليس إلا عابر سبيل
يأتى كل حين ليفرض على المكان موسيقاة السخيفة 
وأن موسيقاة تلك لا يفهمها أحد هنا فى المكان 
فيظل يعزف كلما جاء مع ذاته فقط فى القاعة 
وتبقى القاعة خالية وهو هائم فى العزف
يعزف دون نوتة موسيقية او اى شىء
وكأن تلك الالحان التى يعزفها يوحى بها إليه !

لمع بريق عينيها بشدة وهى تستمع لقول العامل 
وفى داخلها تعرف إنه هو الذى تبحث عنه

تشكر العامل على تلك المعلومات التى أمدها بها
وإنه سبب فى يقينها إنه هو من أنتظرت طوال العمر


خلعت حذائها العالى و ركضت مسرعة نحو القاعة 
قلبها يخفق بشدة حتى كاد يتوقف النبض 
صوت الموسيقى يجذب روحها للمكان
يهمس لها أن تسرع قبل فوات الاوان

تركض و تركض لآخر الممر وصوت الموسيقى ينخفض
شعرت بإنذر يدق نواقيس الروح و الوجدان
ويفيض بها مشاعر الفرح ممزوجة بالقلق

وصلت إلى القاعة اخيراً ,,
ثم فتحت الباب بخفة فوجدتة

يقف قرب البيانو فى اتجاة نافذة يصدر عنها ضوء ساطع
الكمان بين يديه يعزف فى حالة إندماج تام وهو ينظر للشمس 
دون نوتات موسيقية و دون اى شىء !
وكأن اللحن مُستمد من السماء و الشمس و الله !

حاولت أن تسير فى هدوء تام إليه حتى تقترب منه
دون أن تقطع عليه تلك التى يتجلى فيها له عظمة اللحن

أصبحت قريبة منه بالفعل .. قلبها يخفق وجسدها يرتعش
الموسيقى تُذيب الجليد الذى يغطيها و تدفء الصقيع بداخلها
تعزف على أوتار روحها .. تُطهر القذارة التى تلوثها

اما هو أنفاسة الصادرة عنه كـ البخار تُلهب عُنقها 
و كأن حركة يديه الصاعدة الهابطة على الكمان تحتضن خصرها

فى رشاقة تامة تجلس على مقعد البيانو تتأمله دون أن تُشعره بوجودها
او هكذا كانت هى تظن ,,

توقف هو عن العزف فأصبها هى الخوف و القلق
فكرت أن تنهض ثم تركض فى خفية إلى الخارج
حتى قاطع تفكيرها وقال لها : " إذاً هى أنتِ كما توقعت " !
لم تفهم ماذا يقصد ورغم ذالك أصبتها الدهشة 
لقد كان يعرف بوجودها حين كان يعزف 
لقد شعر بخطواتها و سمع نبضات قلبها الذى لم يتوقف عن الخفق
لقد تخيل يديه تحتضن خصرها وأنفاسة فى عنقها كما تخيلت 

لم يلتفت إليها وظل ثابت فى مكانه فى صمت
نهضت من مقعدها وبدأ تخطو خطوة للامام تجاهة
ثم تتراجع و تدور ثم تخطو نحو الباب للخلف 

ثم قال لها فى هدوء : 
" سترحلين بعد كل هذا الانتظار و بعد هذا العناء وأنا أبحث عنك كل يوم , وأنا أرجو الله أن يلهمنى إتمام اللحن حتى أعزفة إليكِ ,
 أنا أحُبك وغير ذالك لا شىء يستحق "

ألتفت إليه بدوران ساحر كـ فراشة بجناح يرتعش وظلت تنظر إلية ولم تتفوة بشىء .

تحرك من ثباتة ثم بدأ يخطو إليها بحركة ثقيلة كـ طفل للمرة الاولى يقف على قدمية !
و حين وصل أقترب منها وتمسك بيديها ثم دَس رأسة بين نهديها و بكى !

حاولت أن ترفع رأسة و تبعده عنها ولكن من قوة إلتصاقة بجسدها لم تستطع ,

 فقال : " قد تأخر اللقاء بيننا ولم يكن لى دخل , و شاء القدر أن تكون البداية هى النهاية فى نفس الوقت " 

وأخذ صوت أنين بكائة يعلو و يشتد كـ طفل كان ضائع من حضن عائلتة !

طلب منها أن تجلس على الارض وتضعه على حِجرها ثم تعزف مقطوعتها الاولى إليه ,
فأخبرتة انه لم تدرس الموسيقى من قبل وانها لم تعزف فى يوم 
فأجاب إنه مثلها لم يفعل الا مُنذ لمحها فى تلك المستشفى مُنذ شهر
وطلب منها أن تعزف دون نوتة وإنما بـ } الروح {
فـ ضمته بكل دفء ثم نام على حِجرها كـ طفل فى وضع الرضاعة , 
أمسكت بالهيرمونيكا للمرة الاولى فى حياتها وبدأت العزف ,
تنظر إلى السماء و الشمس فتستمد وحى اللحن و تعزف ثم تعزف
فى حالة من التجلى الموسيقى الروحى التام !

وكلما عَزفت انخفض صوت بكائة و ارتخت يديه 
ونور الشمس يقترب ليغطية فيُضىء وجهه و كل تفاصيلة 

كلما عَزفت شعرت بالسكينة تملاُ روحها وكأن سر إلهى قد أُلقى فيها

تَعزف و تبكى هى و تبتسم بصفاء
فهى تعرف إلى أين ذهب هو الآن 

وحين انتهت من العزف ..
أخذت كتب بضوء الشمس على كف يديه
{ أشهد أن ميلادى كان مُنذ عَرفتك و مُنذ عَزفت روحى لكَ هذا اللحن , وإنى سأقيم لكَ بقلبى صلاة كل يوم وأتلو عليكَ تراتيل الغرام , وأشهد إنى أحُبك ما حييت حتى الموت }

..
انتهى 
..
نورهان محمود
..
بدايات يناير
..

هناك تعليق واحد:

  1. مش عارف أقولك إيه بجد

    من أروع الرومانسيات اللي قرأتها في حياتي فعلا

    قصة رائعة بكل ما فيها

    تسلم إيدك

    بالتوفيق دايما

    ردحذف