الجمعة، 3 يناير، 2014

مدَار البحث




أُدرك إننى لست سوى روح داخل جسد مُعقد التركيب فارغ الروح مُشتت العقل مُضطرب القلب مُختل كُليا بفعل تربيه مُتناقضه و مجتمع عجيب
(1)
حين تخرجت من الجامعه كان لىِّ هدف واحد واضح بُناءً عليه سيكون مسار المستقبل القريب الذى يُمهد لمستقبل بعيد ,
وكان الهدف هو أن أعمل فى مجال التدريس كما قررت لأنشر تلك التعاليم الساميه التى تلقتها أثناء دراسه الفلسفه فى الجامعه لأغير بها الطلاب كما تغيرت بدواخلى و أزرع فيهم بذور الخير و المَحبه و الفِكر و السبيل لتَحقُق الإيمان الفعلى و أيضاً لتغيير تلك الافكار المغلوطه فى أذهان الكثير عن الفلسفة بإنها إلحاد و جنون لأننى أثناء دراستى المحدوده تكَشف لىِّ إنها السبيل إلى الإيمان و التَعقُل المُعتدل , كانت أحلامى قبل ظهور النتيجه و التخرج الرسمى كبيره جداً بقدر لا يستوعبه الواقع و لا يُدركه إدراكِ المحدود بالواقع فأحضرت كُتب الفلسفه للصف الثانوى و بدأت أقرأها و أخطط كيف سأُدرسها بمنظور مختلف و بمنهجيه روحيه تضيف لعقول الطُلاب و تجعل النوّر يتوهج بأرواحهم , بدأت رحله البحث عن وظيفه مُدرسه فى المدارس و لكن عَرفت إنه لكى أُدرس الفلسفه للثانويه يجب أن أقوم بعمل دبلوم تربوى عام ثم دبلوم خاص مما يعنى إنه أمامى عامين لأكون فى المستقبل القريب ما أريد و المطلوب أن أنتظر فتح باب التقديم فى شهر يونيو القادم حتى أنهى العامين , حطم الواقع أحلامى فجأه و شعرت بإنكسار و بعد فتره تعافى مُبالغ فيها قررت أن أعود للبحث عن وظيفه مره أخرى فى مجال التدريس أيضاً و لكن تلك المره للأطفال الصغار حيثُ علمت فى رحله البحث الاولى إنه يمكننى بدون خبره و شهاده أن أُدرس لتلك المرحله و لأننى أُحب الأطفال كثيراً و يبهجنى التواجد معهم عادت إليّا الحياه و الحماسه الكافيه لأبدأ رحلتى من جديد , و بدأت بالفعل حد إنى طبعت نُسخ سيرتى الذاتيه بكم يكفى كل مدارس مُحافظة القاهرة و قدمتها فى مدارس عِده و لكننى عرفت وقتها أن سيرتى الذاتيه المُمتلئه بكم الاعمال التطوعيه و الانشطه التى مارستها  لا تعنى لهم شىء و كونى حامله ليسانس فلسفه لا يساوى شىء و كأننى لا شىء يحمل ورقه بيضاء !
سألنى فى أحد المدارس إذا كنت أقبل أن أكون مُدرسه " تدبير منزلى " و أحدهم حين حاولت أشرح له أسباب تقديمى فى الوظيفة و رؤيتى  قال لىِّ : " الفلسفه بتاعتك ديه تقفى بيها فى كشك كتب فى العتبه و هيقولوا عليكِ مجنونة " و قال آخر : " الاعمال التطوعيه لنفسك متلزمناش " !
كانت خيبتى تلك المره تفوق التصور و إنكسارى أضعاف خبرتى السابقه , لم أشعر بجمود الآخرين و ضيق فِكرهم بقدر ما شعرت بالإغتراب عنهم , تملكنى فِكره أن واحد منّا شاذ و لا أدرى أنا أم هُم ؟ ! و خَيم الضباب على طريقى فلم أعد أرى و لا أرغب فى الرؤيه !

كانت وَحشه الإغتراب حينها قد تجاوزت الحدود , ليس إغترابى عن الواقع فقط و إنما إغترابى عن ذاتى , كان التِّيه حينها طريقى أتخبطت بين ضروبه
كنت لا شىء بالفعل و كأن عليّا أن أختار ما بين الواقع الذى يعيش فيه الجميع بهستيريه الماده و التكاثر  أو أن أختار تلك الروح بذاتّى و أعيش واقعى , تِّيه لا منتهى يمضى بىِّ و أمضى فيه لم تتقبله أمى و لا أبى و أقنعونى أن أتنازل و لو قليل عن تلك الأوهام التى قد بنتها الفلسفه بعقلى و أن أبحث عن العمل المادى لعلنى أجد السبيل لتحقيق ما أريد , لم يكن يعلم أمى و أبى إننى أريد لذاتىّ و لهم هذا العمل فإننى حين أعمل ما أؤمن به و أحبه سأجتهد و مُقابل ذالك الجهد الراتب المادى سيزيد فأستطيع أن أنفق على الدبلومه التى أريد و أن أوفر ثمن الدورات التدريبية التى تنقصنى و إننى بالاساس لا أجد إنه من حقى أن أطلب منهم المال لشىء لىِّ بعدما وفروا لىِّ ما يكفى لإنهاء دراستى الجامعيه .

أكرمنى الله بعمل تطوعى فى تلك المرحله القاسيه من الحياه و كم كنت أحتاج إليه بشده لأجدنى و تطهّر الروح و يعود النوّر من جديد , لم يكن يسير عليّا فى تلك الفترة أن أتكيف مع الآخرين من البشر فى الفريق و خارجه و أتفاعل معهم قد كان بداخلى حاجز خوف لا منطقى يمنعنى من التقَرب لأحدهم و لكننى حاولت أن أهزمنى بإقناعى إن الذين يكونوا فى عمل تطوعى أنقياء حالمين مثلى لا تُسيطر عليهم قذاره الماده و الروتين كـ الآخرين , بدأت أتحسن وقتها و تعود إليّا الحياه و تبتهج الروح و يتوهج الله بداخلى لأعود كما كنت و أنشر تلك الرساله الربانيه التى كلفنى بها الله و رسختها الفلسفه بدواخلى , كانت قمه سعادتى حين يتفاعل معى الطلاب و نتشارك أحلام المستقبل القريب و البعيد , أكرمنى الله بمحبه الآخرين و بصُحبه صالحه بالقُرب كنت أفتقدها مُنذ زمن طويل , عُدت أقرأ و أكتب , أحس بخفه روحى و جمال ذاتىى حيثُ الله فيّا .

(2)
حاول جميع من حولى إقناعى بالتنازل المؤقت عن كل ما أريد و أن أفعل ما لا أريد لأحصل على ما أريد , و قالوا أن التقَدُم لوظيفه مختلفه ربما يكون جيد لىِّ من حيثُ الخبره و العلاقات العامه مع الآخرين , و لأننى كنت أُعانى من الفراغ و الوِحده القاسيه حد هلاك الذاتّ و التدهور الشديد قررت أن أخرج من عالمى و أبحث عن وظيفه لا أريدها و لا أعرف عنها شىء فيشغلنى العمل عنىِّ و عن خيبه حُب قد كان أرهق قلبى  و عقلى و بالفعل بدأت بالتقَدُم لوظائف مختلفه و كان قدرى الاول مع وظيفه " خدمه عملاء " فى أحد شركات الاتصال , مُنذ بدأ التدريب و أنا أشعر بالسخافه الشديده تجاه العمل و أشعر بالماديه و الآليه المُفرطه و لكننى قررت أن أخوض التجربه ليكون قرارى شامل سليم ,
وبدأت أول أيام العمل الذى كان بمثابه أسود الأيام و أكثرها سوء حيثُ وجدت نفسى لست إلا آله تنطق بالأرقام و الأكواد و تردد بعض العبارات الثابته و يلزم عليّا أن أتحمل إهانه البعض و إرضاء البعض الآخر بعد أن ينتهى من السَب و الشتائم !
فى اليوم الثانى ذهبت للعمل أبكى فى قمه الانهيار و كأننى طفله صغيره تذهب للمدرسه بأول يوم فتنفصل عن عالمها الجميل لتواجه حقارة الآخرين ,
كان المطلوب منى أن أفعل كل يوم نفس الافعال و أكرر نفس ردود الافعال حين أتلقى المكالمات و أتحمل  إهانه العملاء و أنا أدافع عن سوء خدمه الشركه و أبرر سرقتها فى بعض الاحيان , أن أتلقى الأوامر و التعليمات من قائد الفريق و أنفذها و حين لا يعجبنى شىء أو أستفهم عن خطأ ما لا أحصل على جواب , كنت أذهب كل يوم فى الصباح الباكر لأعود فى المساء مُتعبه حد الموت لأنام ثم أستيقظ لأذهب للعمل فأكرر كل شىء لأعود فأنام ,  لا حياه لا روح لا بهجة لا شىء على الإطلاق سوى الآليه و التكرار !

أرهقنى الاسبوع الاول جداً و لم أتقبل ما أنا فيه و لم أرغب فى الاستمرار و حين أعلنت رفضى لكل ذالك هاجمنى الجميع و أخبرونى إننى ينبغى أن أصبر لإنها فرصه لن تعوض حيثُ إننى مُقابل كل ذالك سأحظى بالكثير من المال الذى سيوفر لىِّ كل الاشياء الضرورية و الترفيهيه التى أحتاج ,
قالوا أن الكثير من الشباب لم يُتاح لهم مثل تلك الفرصه فكيف لىِّ بعد عناء البحث السابق عن وظيفه أن أتخلى عنها .

لم أقتنع بما قالوا و لم يعنى لىِّ شىء لكننى كنت فى رهبه مُبالغ فيها من الفراغ الذى سأواجه إذا تركت العمل الآن , لم أُقرر بعد و عقدت إتفاق بينى و بين ذاتى إننى سأواجه قائد الفريق بما لا يجعلنى أطيق الاستمرار فى  العمل معهم و أستفهم عما يهرب منه كلما سألته من أخلاقيات لا أخلاقيه للعمل و حين فعلت لم أجد جواب منطقى يقنعنى بل ليس هُناك جواب بالاساس سوى " الفلسفه وهم أنتِ عايشه فيه ملهوش مجال فى الشغل عندنا هنا تعملى المطلوب تاخدى الفلوس , هنا بنقدم خدمة للعملاء بس بأسلوب البايعين مش الرُقى اللى تخيلتيه , هنا لما نتشتم نبتسم و نكمل بأدب و ذوق وإذا العميل تجاوز الحدود نبلغه بإلتزام سياق المكالمه و عادى " !
كلما مرّ عليّا يوم فى العمل شعرت بأن ذاتى تُقتل و أن إحترامى لها يتلاشى , لم يكن يعنينى حينها إحترام الجميع فى المكان لىِّ و تقديرهم لتفوقى فى العمل على الآخرين فى الفريق رغم إستيائى , غضبت منى و منهم و لم أفهم لماذا مازلت أعمل هُنا ؟ !
بعض التفاصيل كانت جميله إلى الحد الذى كان يجعلنى أرغب فى الاستمرار , , فقد أحببت أشياء لم أكن أحُبها من قبل و لم أرغب فى خوضها ,
كما لم يكن الخوف من الفراغ وحده هو سبب بقائى و لا المُقابل المادى , و مع تراكم الاسباب المُقنعه لىِّ بترك العمل أتخذت قرارى و أعلنته للجميع فسخروا من أسبابى و قالوا لىِّ " يبقى أقعدى فى البيت بقى ومتشتغليش لانك مش هتلاقى مكان فيه اللى بتدورى عليه او اشتغلى فى جليسه أطفال و عيشى فى عالم الملايكه " و لم أقابل سخريتهم بالهجوم إنما بالسكون , وحين أخبرت قائدى تفاجىء و رفض بشده لعدم إقتناعه أيضاً مُبرر كل شىء أجده عَيب و كثير من الكلام الذى لم يعنينى فى شىء , ليس عدم إحترام منى و لكنى أتخذت قرارى و توقفت عن استقبال قناعات الاخرين .
حين عُدت إلىِّ البيت و أخبرت أمى لم تتقبل قرارى و سخرت منى مثلهم , و أنا لم أكن أتوقع منها غير ذالك .
(3)
لا إننى لست مُتعاليه تظن أن الجميع لا يستحقوا التواجد معها و لا أحاول إدعاء الروحانيه و لا أُمثل الأخلاقيه الُمبالغ فيها
إننى أعترف بإننى لم أكن يومً روحانيه بالقدر الذى يتوهمه بعضكم و لست أخلاقيه بالقدر الذى أبثه فى كتاباتى , إننى لست سوى إنسانه تحاول البحث عن ذاتها و عن روح الله فيها , إننى عابره سبيل فى كل طريق أمضى فيه عن قصد أو قد وجهنى إليه الآخرين , إننى أخاف جداً أن يأتى يوم يخبرنى أحدكم إننى أقول ما لا أفعل و يؤرقنى كم المسؤليه التى قررت تَحمُلها تجاه الآخرين بالحَث على ما أؤمن به بالقول و الفعل ,
إننى أحاول أن أكون كما ينبغى لىِّ أن أكون فى الارض " خليفه " و لكلِ منا طريقته الخاصه ليكون , و أنا لا ادرى ما هى الطريقه التى ينبغى لىِّ أن أتبعها لأعبر الطريق ؟ لا أدرى كيف السبيل إلى السلام الداخلى ؟ متى سأجد النور ؟ كيف أقضى على الفراغ دون أن يمتد بىِّ ؟

إننى مثلهم أحياناً أسخر من ذاتى و يلمع فى عينى بريق حين أحصل على قدر من المال يشبع بعض إحتياجاتى الترفيهيه , و يخفق قلبى حين يخبرنى أحدهم بإننى غريبه و إنه إلىّ التقرب منى يميل , إننى أُصاب بالتعالى حين يقولوا عنى إننى مُميزه لا أشبه الآخرين , و أنكسر حين أنهزم فأَدعى القوة ,
 أحياناً أكون مثلهم و لكننى أؤمن إننى لست مثلهم و إننى سأحقق ذاتّى المُتفردة يومً حين يذوى جهلى و لا يصبح مُحرم عليّا الوعى بىّ .

أُدرك إننى لست سوى روح داخل جسد مُعقد التركيب فارغ الروح مُشتت العقل مُضطرب القلب مُختل كُليا بفعل تربيه مُتناقضه و مجتمع عجيب , فإما يلوثنى واقعهم أو أن أنشر رسالتى فأصلِح فيّا و فيهم , إما أن يهزمنى الجميع أو أنتصر على ذاتىّ و أحققها .

و الآن بعدما تعددت مدارات البحث التى سلكتها ولم أصل أعرف مدارى الخاص و سأبدأ فيه البحث من جديد بحذر و خبره وصبر طويل لعلنى أصل بعدما أقع ثم أقف لأستقيم فـ مدَار البحث واضح و وحيد .

و أنت تَفكر
 
أين أنت ؟ أين الحقيقة ؟
من تكون ؟ من يكونوا ؟
كيف سنتعايش حين نكون معاً ؟
أبحث عن مدَارك و أمضى فيه , توقف لتحطم صندوقك الذى وُضعت فيه عنوه
أبحث عنك .. عن روح الله فيك .. عن الله فيهم .. عن الحقيقة بعين القلب
كُن إنسان , أيقظ ضميرك , عِش بفطرَتك , كُن أنت
أو إغترب
..
انتهى
..
نورهان محمود
..
بدايات يناير 2014

هناك 3 تعليقات: