الأحد، 24 يونيو، 2012

صوفيا


 و كـ إن صوفيا شعرت بـ رغبة للتحدث عن ما يجتاح وجدانها .. و إختارتنى أنا لـ أكتُب لها عنها .


                                                   ( 1 )


نهربُ من الحُب فـ يلهث الحُب خلفنا بـ ثُقل البُركان حتى تُتفح مسامات القلب وتتشبع به ونُحب ,

نذهب للحُب فـ يخدعنا بسعادة يعقبها فراق يعصف بقلوبنا نحو اللاشىء واللاشعور ونتنفس الموت .

فـ ليس إختيارا ً أن نُحب ذاهبين او أن نُحب هاربين فـ كلاهما آت بلا شك .. وما سلم بشر ع الارض من فاجعة سعادتة وفاجعة خيبتة .. فـ الحُب فعل لا إرادى و مهما قاومت حتما ً سـ تعشق مرة واثنين فـ أنتَ إنسان .

ولكُل ٍ منا حكايا حُب كاملة , و هُناك ما كان عابر وما كان من نسيج الخيال والحلم | وهنالك حكايا فى كل مكان وزمان .


فـ الحُب فطرة فى الانسان , وكُل ٍ منا يولد وبداخلة  " بذرتان ونواة "  :  بذرة " الانوثة \ الرجولة " و بذرة " الامومة \ الابوة " , والنواة  هى الانسانية .


وكُل إناث الارض إعتادت أن تبحث عن الحُب وعلى إنتظار حبيب " فارس أحلام " ونسجت من خيالها حكايا معه وعنه .
لكن " صوفيا"  ليست كـ كُل إناث الارض .. لم تبحث يوما ً عن الحب عند الرجال ولم تحلم بفارس يخطفها على حُصان , لأن صوفيا ذاتها هى كُل الحب .. فـ الحُب لها هو كل الدين والايمان !  وظلت دوما ً تهرب من كل شاب ورجُل وقد حرمته على قلبها ليس خوفا ً من الحُب بل على الحُب ذاتة !

فـ قد خلقها الله بـ جذابية لم تُخلق بها أنُثى على الارض ..

فـ صوفيا مُنذ نعومة أظافرها يقع فى حُبها الكُل ! رغم أن  بشرتها ليست شاسعة البياض , عينيها ليست ملونة زرقاء او خضراء , شعرها ليس حريرا ً ينسدل على كتفيها , عودها ليس كـ الملكات , وخصرها ليس مثالى , ملابسها ليست مستوردة ونشأتها وأصلها لم يكن ملكي .

بل كانت عادية جدا وأكثر من بسيطة لكن ممُيزة لـ أقصى درجة , جذابيتها تكمن فى إنها " هى " ورُبما كان هذا قرارها مُنذ أن أدركت ذاتها وأكتشفتها فى عُمرها الصغير عندما فرضت عليها ظروف الحياة القاسية أن تكون .

صوفيا أُنثى سمراء البشرة والعين والشعر ذو الضفائر القصيرة والشريطة الحمراء و عودها ممشوق مُغطى بـ ملابس يبدو منها وقار وهيبة إمرأة فى الاربعين من العُمر , هى كُل شىء فى آن واحد !  الرقة والعنف .. الجنون والعقلانية ..القوة والضعف .. الكفر والايمان .. هى التناقض والتعدد والكمال !

 أصلها من طين , وتربيتها مُنعدمة مُشردة لا أهل ولا أصدقاء وربُما لا وطن فـ هى ما عرفت يوما ً الانتماء .. إلا الانتماء  لـ حُضن الحُزن الذى رضعت من ثدية والحرمان الذى أرتوت من كأسة حتى الثُمالة .
 هى والحياة فقط وجها ً لـ وجة فى صراع أحيانا ً وفى تفاهم وإحتواء أحيانا ً أخُرى فـ باتت الحياة مُعلمها .

لا تثق بأحد ولن تفعل سوى بـ قلبها وعقلها !

وهُنا تكمن جاذبيتها فى " هى " فى  " قلبها وعقلها " اى صوفيا ذاتها .

كانت دوما ً بإرادتها تسير عكس التيار وتختار الخطأ لـ تُجرب لـ تُدرك .. كانت تُخربش على جدران التجربة وتترقب وتتعلم , بداخلها طاقة حُب ورغبة عارمة فى العطاء و نشر السلام .



               

                                                              ( 2 )

كانت صوفيا  للكُل كبيرا ً صغيرا ً رجل إمرأة طفل أيا ً كان أم وأخت وصديقة ومنبع للحنان , ورغم أن هذا مرفوض من حولها إلا إنها لا تُبالى .. وتمضى فى الطريق ويمضى بها بقلب يرتجف دوما ً وعينان قلقة تائهتان ولكن تمتلك من الطاقة والقوة ما يكفى لـ تسير وتسير لـ تزرع الحُب فى كل قلب لـ تشُكل " الانسان " , فقد كان يستفز مشاعرها وتفكيرها دوما ً مشاهد يومية تمر بالجميع والجميع لا يبالى كـ : أن يؤذى أذنيها شتيمة الانسان لـ آخر من بنى الانسان , و أن ينهال سائق عربة الكارو على حمارة بالكرباج ضربا ً ظنا ً منه أنة الافضل , يؤذى نظرها قمامة مُنتشر عليها الذُباب , وحين تفتح التلفاز تستشعر النفور من مشاهد دماء ذاك الطفل هُناك  مُلطخ ع الجدران والارض والمساجد وذاك البارد المشاعر والاعصاب الذى يُصوب البُندقية فى جميع الانحاء .. والصمت العربى اللعين الذى لا يبالى بـ الانسان فـ كانت تصرخ صوفيا كل يوم باللعنة على العالم .

نعم كانت صغيرة العمر ذاك الوقت رُبما لم تُكمل العشر أعوام  لـ تُدرك وتفكر فى هذا وذاك لكن حقيقتا ً كانت تُدرك,  فـ العقل أضعاف العُمر ومن ثم كانت فى نظر الجميع مُجرد طفلة ساذجة حين تبوح بهذا وبما يجول بخاطرها يسخر منها  الجميع .. و يا ويلاة !

وأخذت تكبر وهى تُفكر كم هى وحيدة فى هذا العالم وحيدة فى فكرها وفى عواطفها وفى إنسانيتها .. حاولت أن تًقاوم وأن تبقى كما هى فريدة وحيدة تسعى للعطاء للمعرفة لـ الانسانية .. و غالبا ًما  تسأل و وحدها تُجيب .

وفى ذاك الوقت لم تكن تعرف صوفيا " الله " ولا " دين الله " .. هى كثيرا ً ما تستشعر الله بـ قلبها وحين تتأمل الكون وتتأمل وجودها يُخاطر وجدانها وجودة لكن هى لا تراة ولا تعرفة ! هى مسلمة الديانة فى شهادة ميلادها نعم .. ولكن ليست مُسلمة بـ دين الاسلام ولا تعرف بـ صاحب هذا الدين اى " الله " ! لا تعرف بـ الصلاة ولا القرآن ولا بـ مُحمد خاتم الانبياء ! كانت فقط مُجبرة أن تُصلى بالمدرسة كما يفعل البقية ذاك .. لكنها لم تكن تُصل لله , وتقرأ القرآن وحكايا الاسلام جبرا ً كما هو الطبيعى فى حصص الـ أديان .

فـ صوفيا كانت دوما ً ترى أن الدين يُختذل فى شعارات وكلمات لا ترتقى بأن تكون شىء يُمُثل عظمة وموضع فخر , ورفضت أن تُصنف ذاتها تابعة لـ ديانة ٍ ما . فـ الدين مسؤلية و الجميع يقرأ ويحفظ ولا يفهم فـ إن كان مُعتنق الديانة مؤمن بها ومُسلم بها كما يدعى فـ لماذا مُنذُ وُلدت وهى ترى وتُعايش ما تراة وتعيشة من دماء مُلخطة فى بلاد المُسلمين و سرقة وكذب وأمراض وفقر وتشرد وجهل .. إلخ إلخ ؟؟!


وطافت حافية عارية كُل البُلدان تبحثُ عن " الحُب " عن " الانسان " لكنها لم تعرف لهما عُنوان .. تحمل عبء الخلق على عاتقها مهمومة تُسطر أفكارها وأسألتها الا مُنتهية على ورق .. وتُلملم شعث أحلامها فى كفة يدها وتمضى فى طُرقات الحياة لا يدرى عنها أحد شيئا ً ولا يعرف ماذا يدور بخاطرها وأخذت تكبر صوفيا الانثى والمرأة وتكبر معها همومها وأسألتها وخواطرها ومسؤليتها وحكمة العقل تزداد والقلب يتسع أضعاف .. ويكبر إحترام الجميع لها ولـ عقلها وإن كان شاطحا ً أحيانا ً فى نظر البعض ورغم ذالك لم يكن يؤمن أحد بها .. بل هى فقط تؤمن بذاتها وكفى .

وكثيرا ً ما أثناء عطائها وأيضا ً بحثها لهث وراء وقارها ورزانة عقلها وحنان قلبها وطفولتها الكبيرة  الرجال كـ جِمال ظمآنة بـ الصحراء أحيانا ً وكـ ذئاب فاجعة أحيانا ً أخرى ! أو هكذا ترى صوفيا فـ هى لا تؤمن بـ أن هُناك من يحمل الحُب الفطرى الانسانى بداخلة الجميع طامع والجميع يشتهى والجميع يرغب وذالك كُله لا يُعبر إلا عن حيوانية شرسة !

نعم مُختلفة هى صوفيا بُكل المقاييس و وحيدة وحيدة  إلى ما لا نهاية وسط تكوينات الكون المُتضاربة البعيدة القريبة .. مُختلفة و وحيدة بقدر يُسعدها و يُزيد إيمانها بذاتها .

ويمر بها العُمر وتمر السنين وهى تبحث عن " الانسانية فى الانسان " عن " الله " عن " دين " .

فـ تبحث و تقرأ آداب .. علوم .. أديان لـ تعرف لـ تُدرك لـ تُقرر .

تسعى لـ تنشر فلسفتها فى الحُب والسلام .

                                                                (3 )


وإذا بها يوما ً ما فى إحِدى مُدن البلدة تذهب إلى قطعة أرض صغيرة قد سمعت عنها لـ تخُربش هُناك وتبدأ بالبحث من جديد بعد أن كانت  قد سئمت وتوقفت مُنذ فترة .. تبدأ فى تلك القطعة بالعطاء كما إعتادت وكما هى طبيعتها بالاساس وإذ بها أخيرا ً قد وجدتها نعم " الانسانية " فى قلوب وعقول بعض البشر , فى أفعالهم وأقوالهم وحتى فى إبتسامتهم .

هُم إناس تسعى لـ إنقاذ الانسانية وإحيائها تهتم بـ الوطن تعرف الله وتعتنق الاسلام .. وكأن صوفيا حينها وجدت ضالتها وجدت طريقها وأشرقت لها شمس الحياة حيثُ الاهل الاصدقاء الوطن الانتماء الدين والله , فـ قررت أن تبقى هُناك , حيثُ تطبيق رسالة كُل الاديان .

لم يكن يسيرا ً على صوفيا إدراك كُل ذاك فى بداية الطريق والقبول به , كان ذالك يشبة حادث او صدمة عقلية إدراكية يصعب إستعيبها بعد كل هذا العُمر وكل هذا البحث والمجاهدة وحدها فقط وحدها ..

وبدأت مسار جديد بحياتها تغيرت فية كما لم يحدُث لها من قبل و إذا بها تجد ما قرأت فى الاديان والكُتب السماوية يُفعل , و ليس الكُل تابع شعارات , هٌنالك هُوية هُنالك مُسلمين هُنالك الله وهُنالك حُب .

وكان لـ صوفيا آن ذاك أخ وصديق كـ الـنـور لـ طريقها وخطواتها , فـ هو إستثنائى حين باحت له بعدم إيمانها  لم يُعاملها كـ البقية بسُخرية ونفور بل بصدر رحب يحاورها   ..

 هو أخ عَرفت الله به , ولأول مرة تقرأ بـ قلبها القرآن وتقرأ الاذكار , صلت الفجر حين كان يُصلى وناجت الرب حين بدأ هو بالدعاء .. فـ باتت كُل يوم تدعى بـ الجنة لـهُ .. فـ ما أعظمة عند الله وما أعظمة بوجودة بـ حياتها كـ إنسان . فـ هو  كان مُرشدها ومُلهما دون أن يدرى .. فـ تعلقت به كثيرا ً كـ إنسان كما لم تفعل من قبل بكُل ما تحملة من طهارة قلب .


                                                                ( 4 )

صَلت صوفيا لله ركعتها الاولى  بقلب طاهر خاشع مُتأخرا ً وقررت إعتناق دينها وشهدت بـ إنه لا إله إلا الله وأن مُحمد رسول الله , وما كانت تتخيل ذاك يوما ً , وذاك البكاء العنيف والقشعريرة التى إنتابت جسدها والسحر الذى لمس قلبها , غريب ومُدهش هو الايمان !

وقد أعتادت أن تستقيظ فجرا ً والكون فى حالة صمت وبيتها أهلة أموات لـ تُصلى وتُحاكى الله كُل أسرارها وتقرأ القرآن فـ تستشعر الحب والدفء فى رحمتة سرا ً .. وتجهش فى البكاء سعيدة وممتلئة بالشجن فى نفس اللحظات .


وها هى صوفيا رغما ً عنها مُتأخرا ً كـ عادتها تُدرك بـ أنها ذهبت للحُب وعشقت حتى النُخاع , وقد انتابتها فاجعة السعادة والخيبة فى  آن واحد , فـ هى تُدرك أن حُبها على حبيبها هذا خطر , فـ تُقرر أن ترحل عنة لأجلة ولأجلها ولـ أجل " الله " الذى جمع بينهما , وياله من شقاء وعذاب أن تُفارق حينما تُحب . 

فـ ترحل فى هدووء فـ حبها وُلد من رحم شهور  , وحتما ً سـ تجهضة قبل أن ينمو ويكبر فـ يصير مُحرما ً عليها التخلص منه !فـ هى  تُدرك كم هى قوية  ..  رغم الانكسار وتنفُس الموت .رحَلت عنه تاركة آثارها به  وقلبها معهُ .

وإذا بها تكمل طريقها و تستعد لـ مسؤليتها فرحة ومهمومة فى ذاك الـ آن .. بقدر السعادة تتألم وبقدر الضحك تبكى وبقدر اليأس مُتفائلة ! واثقة بـ الله وبـ وعود القرآن تاركة خلفها إناس تبنى أشبال لـ أوطان .


 غريب ومُدهش حينما تأملت صوفيا ذاتها طوال العمر الذى مضى فـ وجدت أنها كانت دون أن تدرى تُطبق " روح وجوهر الاسلام " رُبما لم ينقصها بالفعل سوى تلك الفروض والعبادات .

وكأنها حينما دخلت ذاك المكان.. فى تلك القطعة من الارض  قد دخلت الجنة وهى  بـ الحياة !

وباتت صوفيا مُنذ ذاك الوقت  " صوفيا الروح والقلب والعقل والحياة  " .


بقلم : نورهان محمود .

هناك تعليقان (2):

  1. ما أثقل حمل الأفكار وما أطول رحلة البحث عن إجابات، و لكن الأكيد أن في نهاية كلا منهما راحة مبرحة !!!
    ...
    صراحة أستاذة نورهان لا أجد عندي أي تعليق على هذه القصة الفلسفية الرائعة فكل كلمة فيها تحمل فكرة و كأنها قد حوت و ناقشت كل ما شغل عقل و روح الانسان منذ الازل ، و كأنها قد ملت من ادعاءه و كذبه و تمثيله و أرادته ان يرجع للأنسان...صوفيا..يا من غيرت كينونة الرجل فجعلتيه يسعى خلف الفكر و العقل و الرزانة و ينسى أمر الشعر و العيون و الشفاة !!
    روعة روعة روعة..بجد أمتعتني جدا جدا..متلهف جدا لما ستكتبيه في الغد..تحياتي.

    ردحذف
  2. :)

    تعليقك بيؤكد أن الافكار اللى بهدف للتعبير عنا وصلتك و عبرت عنك وعشان كدة أنا بكتب .. عشان أعبر عن الخبايا الوجدانية لـِ وللمتنعين والغير قادرين عن التعبير .

    تعليقاتك بتشجعينى ع الكتابة .. دُمت مُتابع أحمد شكراً :)

    ردحذف